مخرج

يقول لي رفيقاتي: “نحن نقاوم عبثية الحياة بعبثٍ فاجرٍ مثله”

يقاومون سخرية العيش بسخرية صاخبة أكثر ومزاج ضاحك..

يقاومون الكآبة بالنهوض والترجل عن ظهر البكاء..

يقاومون التعب بمقهى أو بوجبة لذيذة أو بلقاء صديق..

نعم، طريقة حرب بطلة!

هنيئا لهم هذه القدرة الفذة، لقد أنقذوا أنفسهم بشجاعة.

..

أما أنا فانغماسي في الحياة -كـ ردّ فعلٍ عليها- يعني أنني أذبح نفسي من الوريد إلى الوريد، إلا أن قلبي في ذات اللحظة يرفض التوقف عن النبض، وأنفاسي المتسارعة ترفض الانقطاع.

نعم، ذبحة غير رحيمة لكل محاولة..

فأرتدع عن العيش وفق طريقة الحرب هذه، وأقرر -بجبن شديد- العيش في الظل دون لفت انتباه العدو!

تعس الجبناء، تعسوا حتى ماتوا..

مفارقة

وأصنعُ الفرح كأحدِ مهماتي في الحياة،

ويصنعني الحزن كأحدِ أهم أشغاله في الحياة!

وأجتهدُ في البهجة، فيجتهدُ الحزنُ نكاية بي.

أفكر أن العلاقة طردية وأنني إن توقفت عن القيام بمهمتي، يتوقف عن القيام بمهمته.

أتوقف ولا يتوقف.

أعود فيستشري، بل ويسخر.

الحزن أنت أيها الإنسان، أنت مهما ادعيت.

ونبكي

ليس على شيء بقدر ما نبكي علينا!

على الخراب الذي يمسي جاثما فوقنا، ثم يصبح فينا.

على شأننا الضعيف، على أمور الوجود العصية على الفهم مهما اجتهدنا، على فكرة الحياة بمجملها، على اضطرار المسير دون يقين، على خواطر البال وشواغله، على الشعور، على النضال، على العناء والتعب والجهد والشقاء، على قلة حيلتنا، على سخفنا، على سراب الحلم، على اضطراب النفس، على اختلال عقولنا، على افتقارنا، على النصيب الذي يصيب دائما لكنه لا يولد فينا شعور الفرح، على المحاولة، على العجز، على رداءة الحياة الملونة البهيجة!

على كل شيء لا نعرف أصله ولا معناه ولا أين ينتهي، ولا كيف.

على عجزنا عن الفهم..

على عجزنا عن الفهم..

على عجزنا عن الفهم..

،،

ونبكي على وطأة النضال فوق احتمالنا، كثيرًا نبكي..

،،

خلقتنا، فأنقذنا!

يتناقصون

هذا اليوم بتروا ساق جدتي لأبي من فوق الركبة، لأنها فسدت ولأنها تتآكل.

ماذا نفعل إذن بقلوبنا التي تقتات على نفسها؟ تأكل منها لها! كيف نبترها؟

كيف نقص منها الجزءَ الأسود دون أن نقضي على الجزء الذي مازال يناضل؟

هه، يبدو أن الأمر لا يحتاج إلى تدخل، فقلوبنا تفعل أمرَ القطع بنفسها!

ننشغل بأمرِ البتر، والبترُ حاصل.

،،

نموت جميعا لنرحمَ الأرض ….

نموت جميعا لنقضي على هذا الوجع ….

مأساة

حياتي ممتازة وكل شيء يمضي على ما يرام، لكن:

أنا على ظهر الأرض

أنا مضطرة للعيش

أنا لا أفهم!

..

هنا حزنٌ شاسع

ألم التجلي، ألم الحضور

لطالما أحببت التدوين لخصوصيته، وأكثر ما يشجعني على الكتابة والاستمرار منذ عام 2008 وحتى الآن اعتقادي أنني مهما كتبت لن يخترق عزلتي أحد من الناس -لأنهم بالعموم متواجدون ومنشغلون على منصات اجتماعية أخرى أكثر حيوية ونشاطًا من المدونات- وحتى لو اخترق عزلتي أحد فإن حضورَه لن يتجاوز تعليقًا لطيفًا عابرًا جدًا -على الأغلب لن يتكرر- لا يجعلني أشعر بالرعبِ من انكشافي، أو بالخوفِ الخفي المصاحبِ لصخبِ حضورِ الآخرين.

التدوين يمنحنا هدية مجانية أيضًا حين يتيح لنا فكرة إلغاء خاصية التعليقات -وقد فعلتها في مدونتي سابقًا- إلّا أنني في أحوالي الطبيعية -الطبيعية عكس المضطربة!- أحبّ فكرة الأبوابِ المواربة، مفتوحة بـ يسرٍ للذين يمرون كلّ سنةٍ مرّة وبهدوءٍ شديد، لا يثيرون الغبار ولا يتحدثون بصوتٍ عالٍ، يقولون شيئًا بسيطًا جدًا ويغادرون دون كُلفة.

أتنصلُ من منصات التواصل الاجتماعي المباشر لأسباب فنيّة، إضافة إلى أنني بالمقام الأول أرتعب من فكرة أن أكون محاطة بالناس الذين يقرأون باستمرار ما أكتب أو يلاحظون بانتظامٍ ما أفكر به، خصوصًا وأنا أعرف أنني لا أكتبُ إلا للتخلص، أو لتزجية الوقت مع نفسي، أو لأرتبني أكثر.

والأشد فجيعة أن يصل الأمر إلى أن ينتبهوا لحضوري أو غيابي.

نعم أعرف من عدّاد المدونة أن بعضهم يمرّ على مدونتي، لكن العدد القليل هذا لا يقلقني، كما أن مرورَهم الصامت يجعلني أشعر بأنني خفيفة جدًا لا يثقلني شيء، وأن الأمر يمضي على ما يرم.

لست من جماعة (أنا أحب العيش دون الناس، وأسعى إليه وأفخر به) .. أبدًا، فهذا محض خديعة ونكتة مضحكة برأيي على الأقل.
لكنني من جماعة (أنا أصاب بالتوتر والتعب والإجهاد والضوضاء إذا حضر إليّ الكثير من الناس دفعة واحدة) .. ويلبسني الألم، والخوف الشديد، والشعور باللاجدوى، وأنني حصاة في فلاة، وأنه لا معنى لكل هذا الوجود، وأننا كلنا مساكين، وأنّ الإنسان فينا أحمق، وأنني هشّة، ومشاعر أخرى تنهكني.

لذلك أهرب، بل وأتابع الهرب، بعيدًا جدًا جدًا كلما تبعني أحد.

أو كما قالت نوال السريحي: “هذا الزحام لا أحد!”.

ما جاني نوم ..

أفكر أحيانًا أنني لو كنت منشغلة جدًا بضرورات الحياة، كالبحث عن الطعام أو مغالبة مرض أو تربية أطفال لربما لن أجد وقتًا لأفكاري الرمادية التي هاجمني بها الشيطان -على افتراض أن أفكاري الرمادية شيطانية!- لكنني مباشرة أتساءل: وهل الانشغال أصلًا بالبحث عن الطعام هو وضع طبيعي ومقبول ومنطقي؟
وهل الإصابة بالمرض شيء يمكن قبوله دون أسئلة؟ وهل مغالبته فكرة تستحق العناء؟
وهل جلب أطفال إلى الحياة هو أمرٌ أستطيع تبريره؟ فضلًا عن الانشغال به!
..
هل الانشغال بـ “ممارسة الحياة” أكثرمنطقية من الاشتغال بتفسيرها؟
هل الانشغال بـ “فعل الحياة” وضع صحي أكثر من محاولة فهمها؟
..

على الهامش/ أنا منشغلة ببناء منزل! ألا يكفي هذا؟ ثم من الذي يمكن أن يكون أكثر انشغالًا بممارسة الحياة من شخصٍ يبني منزلَا للمقام فيها؟

كل ما أقوله هنا محض هراء..

ما هذه المصيبة يا الله!

لماذا لا أريد خوض مرحلة الدكتوراة؟

1- لأنني لا أرى الجدوى من ذلك؛ بل وأشعر أنها ليست إلا طريقًا بئيسًا سيكلفني الكثير من وقتي وجهدي دون أيّ معنى!

2- لأن لديّ أشياء تهمني أكثر من الدكتوراة، والحياة قصيرة جدًا لا تكفي لتضييعها في شيء لا يعنيني.

3- لأن تخصصي (بحوث عمليات) لا يتم تدريسه في بلدي مما يعني أنني يجب أن أسافر إلى مكان آخر إن اقتنعت بدراسة الدكتوراة، مبتعدةً بذلك عن أمّي الرقيقة المتعبة التي تؤثرني على نفسها كل الوقت.

وإنّ أكثر ما يرهق نفسي أن أكافئ والدتي المريضة بابتعادي عنها في وقت ضعفها -رغم إلحاحها عليّ بالسفر- بل وتخيفني جدًا فكرةُ أن يحدث شيء لها وأنا في غربتي، فأموت بحسرتي على تفاهتي!

4- لأنني أرى أن كلّ علمٍ ستقدمه لي الدكتوراة يمكنني ببساطة الحصول عليه بنفسي دون أن أعنّي نفسي وعقلي مشقة السير وفق المنهجية البيروقراطية للنظام الجامعي العقيم.

5- لأن الدكتوراة لا تقدم لي إلا شهادة، وما يتبع هذه الشهادة من فرص -بريستيجية رأسمالية مادية- سخيفة لا شأن لروحي بها.

6- السبب الوحيد الذي قد يجعلني أبدأ دراسة الدكتوراة هو رغبتي بالهرب من عملي. لكن لماذا لا أستقيل؟ لأنني أحتاج مالًا. إذن لماذا لا أبحث عن المال بطريقة أخرى؟ لأنني كسولة!

على الهامش/ أحب جدًا عملي كمحاضرة في الجامعة لكنني لا أستوعب فكرة العمل تحت تصرف أحد، ولا بطريقة أحد، ولا ضمن قوانين أحد. لذلك قد أهرب، قريبًا جدا في الحقيقة.

وبس والله..

كلٍّ على همه سرى!

تدهشني وتعجبني والله قدرة الآخرين على الضحك واللهو والمرح، وفي الطرف المقابل تؤلمني ضحكاتي، وأشعر بعد كل جلسة أضحك فيها كثيرًا أو قليلًا أنني سخيفة وحمقاء، وبشرية صغيرة لا تفهم.

العالم السحيق الغريب هذا كيف يمكنني أن أضحك فيه؟!

وأموت كمدًا، ويقتلني السؤال بين الساعة والساعة: من أنا؟ وماذا أريد؟ وكيف سأنتهي؟ وما المعنى من هذا كلّه!

كثيرون حولي يرون أن الأمر بسيط وسهل وأن الأسئلة أعلاه يمكن التعايش معها كأسئلة فقط ودون إجابة، لأنه لا إجابة! وأن البحث عنها وفيها سخيف وواهٍ ولا يؤدي إلى شيء.

أهنئكم! لكن الأمر ليس بهذه البساطة بالنسبة لي.

أعرف أن الهمّ هو مجرد “فكرة”، وطالما نحن نفكر فلن ينقضي همّنا مهما اجتهدنا للخروج بمنطقٍ للأشياء.

خلقنا الله لنعيش غرباء، غرباء حتى عن أنفسنا. وسنظل غرباء حتى يفنى هذا الجسد، وتحلّق الروح بحثًا عن مخرج. I’m not meant to be here

اللهم إيمانًا لا يفسد، ويقينًا بك لا ينقضي.

هذه الغوغاء ما ؟

لطالما قلت أن صراعي وخلافي وحربي الحقيقية مع نفسي وليست مع العالم. لم تكن معضلتي يوما في المحيط بل كانت في جوفي أنا.

أن تدري أنك لا تدري، أن لا تفهم المعنى كاملًا ولا نصفه ولا ربعه، بل ولا شيئا يسيرا منه.

أن لا تجد منطقًا في الأشياء ولا الأحداث ولا في المستجدات ولا في الطبيعي حتى.

أن ترى أن المسلمات ليست مسلمات، وأن البديهيات أبعد ما تكون عن البديهيات، وأن الأسئلة البسيطة هي أضخم منك ومن حياتك كلها.

أن تشعر بالعجز واللاجدوى وأن تتهاوى في السقوط. السقوط الذي لا يراه أحد غيرك فيك لكنك تعرفه وتدري أنه موجود. حادث دائمٌ ينهشك ويأكل وجهك المتعب.

أعرف كيف أجعل الأفكار تبدو منطقية بشكل مقبول لمن حولي لكنني في ذات اللحظة أنسفها في عقلي وأضحك مني وعليّ، وأقول: على من تدّعين يا رقية؟ موتي بصمتك، أنتِ لا أحد، جزء من مئةٍ من نقطة في المحيط.

صغيرة لا تُرين بالعين المجردة، وتتلاشين.

أن تتراكم عليك الحياة

أحاول ألا أسمح لهمومي أن تكبر؛ لأنها إن كبرتْ شِختُ أنا. أحاول أن أجعلها صغيرة وتافهة، وأذكّر نفسي طوال الوقت أنني لا أريد أن أفكّر بشكل عظيم، ولا كبير، ولا معقّد. أسعى لأن أعيش بسيطة وأموت بسيطة، وأنتهي من كل شيء بيسر. ثمّ حين أتيقن أنّني بدأت التنفيذ الآن وسأستمر غدًا، نمت ساكنة.

تفاجئني في الصباح فكرة ملحّة من قبيل: “هل جسدي مني أم أنه مجرد آلة سأستهلكها ليوم إضافي؟”
فيبدأ التفكير الكبير، والهمّ الطويل ينخرني. وحين يوجعني الهمّ، أسأل نفسي بحسرة: ماذا حدث لحلم الأمس؟!

في كل مرّة أرى أن الحياة تجري بي، أتوقف بسرعة؛ في محاولة جادّة للتملص منّي ومنها. المشكلة التي تحدث دائمًا أنني حين أتوقف، أقع على وجهي فتصبح المصيبة فادحة أكثر.

أصبحت أخشى التوقف فأتابع السير، بل والركض!

يا دنيا زيحي عنّي، زيحي..

محاولة للصمود

هل “التوقف عن المحاولة” في حدّ ذاته موت صريح أم حياة مواربة؟

أم أنّ الثنائية في هذا المشهد تفسد منطق الدرجات المتعددة، وتنوع الاحتمالات، ورحابة الفكرة، وفسحة الحكم؟

..

مخرج/ لا يشغلني مؤخرًا من الهموم إلّا همّ وحيد: كيف أجعل أمّي بخير؟!

العيد ناقصا وزائدا!

هذا عيدنا الأول معًا يا رنا، ابنة أخي التي أضاء بها بيتنا الشهر الماضي، الجميلة التي أتمت شهرها الأول للتو، فرحتنا العريضة، وبركة منزلنا التي دخلت بمجرد ولوجها علينا، ليس أول البركة ابتساماتنا العريضة حين التقينا بها عصر يوم ٢٨ من شعبان هذا العام، وليس آخرها تعزّينا بها في العيد عن كل حزن يثعب فمه سوءً يريد إفساد اللحظة.

هو أيضا عيدنا الأول دونك يا عمّة، وكأنّ العيد يأبى أن يأتي كاملا، ليذكّرنا أن الأيام الجميلة لن تكتمل إلّا في الجنّة.

ثمّ إننا ننتظرك يا أمل لتستيقظي من سباتك الطويل، ننتظرك أن تخبرينا أنك إنما كنتِ تغافليننا بلعبة “غميمة” طويلة!

نحبك والله يا أمل ونشتاق، فخمسة أعياد دونك ثقيلة علينا كلنا يعلم الله، “فوقي الله يرضى عليك” 😢

الحمدلله على الزيادة والنقصان، الحمدلله على البلايا، الحمدلله دائما وبكل يقين.

ومن العايدين، ومن الفايزين، وأهلا أهلا يا عيد 🌹